عبد القادر الجيلاني
113
فتوح الغيب
المقالة السّادسة عشرة في التوكّل ومقاماته ما حجبت عن فضل اللّه والبدء بنعمة إلّا لاتّكالك على الخلق والأسباب ، والصّنائع والاكتساب . فالخلق حجابك « 1 » عن الأكل بالسّنّة وهو الكسب « 2 » ، فما دمت قائما مع الخلق راجيا لعطاياهم وفضلهم ، سائلا لهم ، متردّدا إلى أبوابهم ، فأنت مشرك باللّه خلقه ، فيعاقبك بحرمان الأكل بالسّنّة الّذي هو الكسب من حلال الدّنيا . ثمّ إذا تبت عن القيام مع الخلق ، وشركك بربّك عزّ وجلّ إيّاهم ، ورجعت إلى الكسب فتأكل بالكسب وتتوكّل على الكسب وتطمئنّ إليه وتنسى فضل الرّبّ عزّ وجلّ ، فأنت مشرك أيضا ، إلّا أنّه شرك خفيّ أخفى من الأوّل ، فيعاقبك اللّه عزّ وجلّ ويحجبك عن فضله والبداءة به . فإذا تبت عن ذلك وأزلت الشّرك عن الوسط ، ورفعت اتّكالك عن الكسب والحول والقوّة ، ورأيت اللّه عزّ وجلّ هو الرّزّاق ، وهو المسبّب والمسهّل والمقوّي على الكسب ، والموفّق لكلّ خير ، والرّزق بيده تارة يواصلك به بطريق الخلق على وجه المسألة لهم في حالة الابتلاء أو الرّياضة أو عند سؤالك له عزّ وجلّ ، وأخرى بطريق الكسب معاوضة ، وأخرى من فضله مبادأة من غير أن ترى الواسطة والسّبب ، فرجعت إليه واستطرحت بين يديه ، ورفع الحجاب بينك وبين فضله ، وباداك وغذّاك بفضله عند كلّ حاجة على قدر ما يوافق حالك ، كفعل الطّبيب الشّفيق الرّقيق الحبيب للمريض حماية منه عزّ وجلّ ، وتنزيها
--> ( 1 ) قال عبد اللّه بن أبي الحسن الجبّائي كما في سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ( 20 / 450 ) : كان الشيخ عبد القادر يقول : الخلق حجابك عن نفسك ، ونفسك حجابك عن ربّك . وانظر شذرات الذهب لابن العماد ( 4 / 200 ) . ( 2 ) تحرف في المطبوع إلى : ( المكسب ) .